منذ أن شرعت مملكة البحرين في ترسيخ مشروعها الإصلاحي بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، أخذت على عاتقها أن تكون نموذجًا إقليميًا في التسامح الديني والتعايش السلمي، وواجهة مفتوحة للحوار بين الأديان والثقافات. ومن هنا، لم تكن العلاقات مع دولة الفاتيكان مجرد مسار دبلوماسي عابر، بل جاءت كجزء من رؤية استراتيجية أوسع، تضع البحرين في قلب الجهود الدولية لتعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب. وفي هذا السياق، تأتي الزيارة المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الفاتيكان لتؤكد على امتداد هذا النهج، وتجسد استمرارية الدور البحريني في مد جسور الحوار بين الشرق والغرب.
ورغم أن العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البحرين والفاتيكان تأسست في 12 يناير 2000، إلا أن بوادرها سبقت هذا التاريخ، حين قام جلالة الملك بزيارة إلى الفاتيكان في نوفمبر 1999، في عامه الأول في حُكم البلاد والتقى البابا يوحنا بولس الثاني. كانت تلك الزيارة إشارة واضحة على توجه البحرين نحو بناء جسور جديدة بين الشرق والغرب، ورسالة بأن المملكة قادرة على لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية ليصل إلى الفضاء الإنساني العالمي.
منذ تلك اللحظة تطورت العلاقات بوتيرة متصاعدة، قائمة على القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع الطرفين. البحرين أرادت أن تؤكد أنها بلد متعدد الديانات يحتضن الجميع، والفاتيكان وجد في المنامة نموذجًا عربيًا وإسلاميًا فريدًا قادرًا على التفاعل مع العالم بلغة الحوار لا الصدام. هذه القواسم المشتركة جعلت العلاقة تنمو بشكل لافت، وتعبر سريعًا نحو محطات جديدة من التعاون.
في مايو 2014 جاءت الزيارة الثانية لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى الفاتيكان بدعوة من البابا فرنسيس، لتعكس مستوى متقدمًا من التفاهم والتقارب. لم تكن زيارة بروتوكولية بل مثلت تأسيسًا لشراكة تقوم على دعم مبادئ الحوار بين الأديان ومكافحة التطرف وتعزيز قيم الأخوة الإنسانية. وقد تزامنت تلك المرحلة مع اتساع الاهتمام العالمي بفكرة “التسامح” كضرورة لمواجهة الأزمات الدولية، وهو ما جعل البحرين شريكًا طبيعيًا للفاتيكان في هذا المجال.
ولم تتوقف الاتصالات عند هذا المستوى، فقد شهدت العلاقات سلسلة زيارات متبادلة كان لها دور في تعزيز الروابط الثنائية. ففي 2014، زار وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين مملكة البحرين، ثم تبع ذلك زيارة السفير الرسولي فرانسيسكو مونتيسيليو باديليا في ديسمبر 2016، والتي أكدت أن الحوار بين الطرفين لم يعد مقتصرًا على المستوى الرمزي، بل أصبح تعاونًا فعليًا يتناول قضايا مشتركة تتعلق بالسلام والعيش المشترك.
في فبراير 2020، جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الفاتيكان، حيث التقى قداسة البابا فرنسيس. وقد شكل هذا اللقاء محطة مفصلية، إذ ثمّن سموه الجهود التي يبذلها البابا في نشر التسامح، وأكد أن البحرين تتبنى ذات النهج عبر مبادراتها الوطنية والدولية. هذه الزيارة عززت صورة البحرين كفاعل إقليمي يوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على هويته العربية والإسلامية.
العلاقات لم تقتصر على القيادات السياسية والدينية فقط، بل شملت الدبلوماسية النشطة أيضًا. ففي العام 2018، التقى السفير البحريني لدى الفاتيكان الدكتور محمد عبدالغفار بالبابا فرنسيس، ونقل له تحيات القيادة البحرينية، في الوقت الذي شدّد فيه على ضرورة توسيع التعاون في قضايا الحوار بين الأديان. كما اجتمع السفير بعدد من كبار المسؤولين في الفاتيكان مثل الكاردينال بارولين والمونسينيور بول ريشار غالاغير، وهو ما أكد أن العلاقات الثنائية لم تعد تقتصر على اللقاءات الرمزية بل امتدت إلى برامج ومبادرات عملية.
وفي نوفمبر 2021، أوفد جلالة الملك مستشاره الدبلوماسي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة إلى الفاتيكان، حيث التقى الكاردينال بارولين وسلمه دعوة رسمية لقداسة البابا لزيارة البحرين. هذه الخطوة كانت بمثابة تتويج لمسار طويل من العمل المشترك، ورسالة بأن البحرين تسعى إلى الانتقال بالعلاقات إلى مستوى أكثر مؤسسية. بالفعل، حملت الزيارة رسالة تقدير من البحرين لدور البابا فرنسيس في تعزيز الأخوة الإنسانية، كما أكدت التزام المملكة بمبادئ وثيقة “الأخوة الإنسانية” التي وقعها البابا مع شيخ الأزهر في أبوظبي عام 2019.
وفي ديسمبر من العام ذاته، شهدت البحرين حدثًا مفصليًا حين استضافت حفل افتتاح الكاتدرائية الكاثوليكية الجديدة في منطقة العوالي. وقد حضر الحفل وفد رفيع من الفاتيكان برئاسة الكاردينال لويس أنطونيو تاغل، الذي سلّم جلالة الملك رسالة خطية من البابا فرنسيس، تضمنت إشادة بموقف البحرين الثابت في تعزيز التعايش الديني. هذا الحدث كان افتتاح الصرح الديني خطوةً تحمل دلالات أعمق من كونه فعلاً احتفاليًا، إذ جاء تجسيدًا عمليًا لفلسفة البحرين في جعل التعددية جزءًا أصيلًا من بنيتها الاجتماعية والثقافية.
من خلال هذه المحطات، يمكن القول إن العلاقات البحرينية – الفاتيكانية تجاوزت الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، وأصبحت تمثل نموذجًا يُحتذى في بناء جسور التفاهم بين الأديان. البحرين، من موقعها الجغرافي والسياسي في منطقة شديدة الحساسية، قدمت نفسها كدولة قادرة على إطلاق مبادرات عالمية للسلام، والفاتيكان بدوره وجد في هذه الشراكة دعمًا لرؤيته في تعزيز قيم الأخوة الإنسانية على المستوى الدولي.
اليوم، ومع الزيارة المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة إلى الفاتيكان، تعود هذه العلاقة إلى واجهة الأحداث الدولية من جديد. هذه الزيارة تحمل في طياتها أكثر من دلالة: فهي استمرار لمسار طويل من التقارب، وتأكيد على أن البحرين تريد أن تكون حاضرة بقوة في قضايا الحوار بين الأديان، وهي أيضًا رسالة إلى المجتمع الدولي بأن العمل من أجل السلام يحتاج إلى شراكات متوازنة تجمع الشرق بالغرب.
إن ما يميز هذه الزيارة أنها تأتي في توقيت تتزايد فيه التحديات العالمية، من صراعات سياسية إلى أزمات إنسانية، وهو ما يجعل صوت البحرين – الشريك العربي المسلم المعتدل – أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومن خلال لقائه مع قداسة البابا فرنسيس، سيؤكد سمو ولي العهد أن البحرين ماضية في نهجها القائم على التسامح، وأنها ترى في الفاتيكان شريكًا أساسيًا في الدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة.
إن الزيارة المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الفاتيكان لا تقتصر على بعدها الثنائي بين البحرين وحاضرة الكرسي الرسولي، بل تحمل دلالات أوسع تتصل بالمشهد الدولي كله. ففي زمن يتسم بالاضطراب وتزايد النزاعات، تبدو مثل هذه اللقاءات بمثابة رسائل أمل تؤكد أن الحوار ما زال ممكنًا، وأن القيم الإنسانية المشتركة قادرة على أن تتفوق على لغة الخلاف والانقسام.
ومن هذا المنطلق يتابع العالم هذه الزيارة باهتمام خاص، ليس على أساس طابعها البروتوكولي، وإنما لما تمثله من تجسيد عملي لفكرة أن دولة صغيرة في الخليج العربي مثل البحرين، يمكن أن تقدم نموذجًا ملهمًا في الانفتاح والتسامح، وتتحول إلى منصة لتقاطع الشرق والغرب في خطاب إنساني جامع. إنها زيارة تضع البحرين مرة أخرى في دائرة الضوء الدولي، وتؤكد أن سياستها القائمة على الحوار والتعايش هي خيار استراتيجي ثابت، يعكس رؤيتها لمستقبل أكثر سلامًا وعدلًا بين الشعوب.


*رئيس تحرير موقع (تقرير البحرين)