تقرير البحرين/عراد/ استضاف مجلس الاستاذ محمد حسن العرادي بمجلسه الاسبوعي الثلاثاء الماضي محاضرة قيمة للأستاذ سهيل بن غازي القصيبي المعنونة بـ(دروس في المصالحة والحوار)، حيث قدّم رؤية تحليلية لمسار بناء السلام، مستندًا إلى تجارب إنسانية وأفكار فلسفية، شهد الأمسية جمع غفير من رواد المجلس والإعلاميين والمهتمين بهذا المجال الحيوي والمؤثر، وقد حفلت المحاضرة بمداخلات وحوارات أكدت على رقي شعب البحرين، في ديمقراطية شعبية وثقافية قد لا تتوفر في الكثير من بلادننا العربية.
قبل أن يبدأ الأستاذ القصيبي دروسه في المصالحة والحوار عبر المؤسسة التي أنشأها لهذا الهدف السامي، حرص على تقديم خلفية أسرية عميقة أسهمت في تشكيل شخصيته. فقد استعاد ملامح طفولته وتكوينه في بيئة جسدت معاني التصالح مع النفس، وقيم السلام والتسامح. تحدّث عن والدته الألمانية المسيحية ووالده السعودي، وكيف كانت العلاقة بينهما قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير الصادق، دون أن يمس أيّ منهما انتماء الآخر الديني أو العقدي. في هذه الأجواء الغنية بالإيمان بالاختلاف والتعايش والمحبة، نشأ الدكتور القصيبي وتشكل وعيه المبكر.
وبعد ذلك تحدث الاستاذ سهيل بن غازي القصيبي عن الدروس في المصالحة والحوار مؤكدًا أن المصالحة تبدأ دائمًا من الداخل، ويبرز صوت ينادي بالسلام والمصالحة بوصفهما الخيار الوحيد للخروج من دوامة الكراهية. هذا ما طرحه.
أولى الرسائل التي شدّد عليها القصيبي هي أن الشر لا يحتاج إلا إلى صمت الأخيار ليفرض نفسه، كما قال الفيلسوف إدموند بيرك، هذا المبدأ يفتح الباب أمام سؤال جوهري: إلى أي مدى يتحمل الأفراد مسؤوليتهم في مواجهة الظلم؟ لكن المواجهة لا تكفي وحدها، بل تتطلب وضوحًا في الهدف، ومعرفة ما يمكن التضحية به من أجل بلوغ السلام.
المصالحة الحقيقية، بحسب القصيبي، لا تولد من الموائد السياسية ولا من التوقيعات الرسمية فقط، بل تبدأ من الإنسان نفسه، التغيير الداخلي شرط لتحقيق السلام الخارجي، فالمجتمع الذي يعاني، من أبرز الإشارات في المحاضرة أن كل أزمة تُروى بلسان مختلف؛ فما يعتبره طرف ”إرهابًا” قد يراه آخر “نضالًا”، هذه الازدواجية تجعل من مهمة المصالحة أكثر تعقيدًا، خاصة حين تصبح العدالة مطلبًا يصعب تحقيقه للجميع بشكل متساوٍ، والأسوأ من ذلك أن أكثر من يقاومون لغة السلام قد يكونون أتباعك أنفسهم، لا خصومك، ما يضاعف صعوبة الإقناع.
السلام ليس لحظة أو اتفاقًا يُعلَن في قاعة مؤتمرات، بل هو مسار طويل يتطلب صبرًا وتدرجًا. القصيبي يذكّر بأن مجرد وقف العنف – حتى وإن كان سلامًا سلبيًا – أفضل من استمرار دوامة الدم. لكن هذا السلام الهش يحتاج إلى مقومات أساسية كي يتطور: شعور عام بالأمان، مصارحة واعتراف بالأخطاء الماضية، ثم عدالة تتحقق إما بالعقاب أو التعويض أو كليهما.
الحوار كما يرى القصيبي، هو السبيل الوحيد للخروج من النزاعات، لكنه حوار يقوم على الفهم أولًا، ثم على الصدق والصبر والرحمة، الحوار قادر على خلق صداقات حتى بين الأعداء، وعلى فتح نوافذ أمل أمام اليائسين، تمامًا كما قالت بيتي ويليامز، الحائزة على جائزة نوبل للسلام: “لا يمكنك إنقاذ إنسان من اليأس دون أن تمنحه بصيصًا من الأمل”، وهنا تبرز أيضًا الحكمة التي أطلقها فيكتور فرانكل: “حين نعجز عن تغيير الواقع، نصبح أمام تحدي تغيير أنفسنا”.
في خضم هذه الرؤية، يضع القصيبي الشباب في قلب المعادلة، فهم الطاقة القادرة على حمل راية المصالحة إلى المستقبل وفي المقابل يحذر من الاستهانة بخطوات الكراهية الصغيرة، التي تبدأ بالتجنب وتنتهي بالإبادة، مؤكدًا أن مواجهتها مبكرًا ضرورة وجودية وليست خيارًا ترفيهيًا.
وفي الخلاصة يقدّم الأستاذ سهيل بن غازي القصيبي عبر هذه المحاضرة قراءة عميقة لمسار المصالحة والحوار، يضع فيها الإنسان في صلب العملية، ويرى أن السلام لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل، من قلب النفوس أولًا ثم عبر جسور الحوار. وبينما قد تبدو العدالة بعيدة المنال أحيانًا، فإن الأمل والحوار وإشراك الشباب تبقى الأدوات الأنجع لصناعة مستقبل خالٍ من العنف.
يذكر أن المؤسسة البحرينية للحوار (المؤسسة البحرينية للمصالحة والحوار المدني سابقًا) تأسست بتاريخ 10 مايو/ أيَّار 2012م تحت قيد رقم (1 /م/خ/2012)، بمباركةٍ عزيزةٍ من لدن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتختطَّ طريقها في خدمة المجتمع المدني بمملكة البحرين، شاخصةً نحو تعزيز التماسك المجتمعي والسلم الأهلي والأمن الاجتماعي عبر سلسلةٍ من البرامج والفعاليات التي تُعلي من أهمية التعاون البنَّاء، والتعايش الإيجابي، وتنشر قيم التسامح والحوار، وتسهِّل تبادل الأفكار بين قطاعات المجتمع؛ انطلاقًا مما يفرضه الشعور بالانتماء إلى هذه الأرض الطيبة، وبناءً على الحقيقة الثابتة بوحدة المصير.
