الرئيسية / أخبار / الوجوه السبع..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي
د. منى الروبي

الوجوه السبع..بقلم د. منى الروبي

(مجلس منى الروبي الرمضاني)

زمان قالوا لنا إن البنت سبع وجوه..وكنت أظنها حكاية أقنعة تتبدّل حسب المناسبة، كأننا في حفلة تنكّر كبرى، لكن بعد سنوات من التجارب التي لا تُدرّس في أي جامعة، اكتشفت أنهم قصدوا سبع مراحل، سبع طبقات من الروح، كل طبقة تُضيف ظلًا جديدًا إلى اللوحة.

كنت في البدء أقرب إلى هدوء ليوناردو دا فينشي في الموناليزا؛ ابتسامة خجولة، قلب سريع الخفقان، ودموع على أهبة الاستعداد، أتعاطف مع كل شيء حتى زرعتي حين مرضت، أطعمْتُها عسلًا وجلست أحدثها عن الأمل وكأنها تفهمني أكثر من البشر. كنت أؤمن أن اللطف يكفي لإنقاذ العالم، أو على الأقل لإنقاذ أصيص. تعاملت بمبدأ عامل الناس كما تحب ان تعامل !

ثم جاءت الحياة، بامتحاناتها غير المعلنة، فأخرجت مني نسخة أخرى، حادة كصرخة إدفارت مونك في الصرخة، نسخة لا تقبل التجاوز، تكتب الرسائل بحروف كبيرة، وتضع النقاط فوق الحروف وفوق الرؤوس إن لزم الأمر، تعلمت أن الطيبة بلا حدود تُستنزف، وأن الحزم أحيانًا ليس قسوة بل حماية.

قال فريدريك نيتشه إن ما لا يقتلنا يقوّينا، وأنا أضيف بابتسامة ساخرة: وأحيانًا يجعلنا نراجع قائمة جهات الاتصال بدقة شديدة، ثم حاولت أن أجد الوسط الذي تحدّث عنه أرسطو، فخرجت مرحلة ثالثة، مرحة، راقصة، ملوّنة، كأنني أعيش داخل ليلة مرصعة بالنجوم لـ فينسنت فان غوخ؛ دوامات من حياة، وضوء يتحدى العتمة. ألبس ألواني، أمثل، أكتب، أُخرج الطفلة البريئة في هيئة فن، وأتصالح مع فكرة أنني لست نسخة واحدة ثابتة، بل مشروع متجدّد.

أما مرحلتي الآن فهي مرحلة السلام الداخلي.

لا معارك مجانية، لا محاولات إصلاح مستحيل. إن شعرت أن شيئًا يثقل روحي، أسقطه بهدوء. أخرج الأشخاص من حياتي كما تُزال جملة زائدة من نص جميل؛ بلا ضجيج، بلا خصومة، بلا مرارة. اشتريت راحة بالي، وسددت ثمنها قناعة.

وهنا أتذكر كلمات صلاح جاهين التي كانت تلخص دهشة الروح أمام الحياة:

عجبي..كلمة واحدة، لكنها تحمل كل التناقضات التي عشناها.. الدهشة، الألم، الضحكة، والرضا، واليوم، وأنا ألتفت خلفي، لا أعدّ خسائري، بل أعدّ نِعَمي.

أحمد الله على القلب الذي تألم فتعلّم، وعلى التجارب التي صقلتني، وعلى القدرة أن أختار نفسي دون قسوة على غيري. الرضا عن النفس ليس غرورًا، بل سلام عميق حين تنظر في المرآة وتقول: فعلت ما استطعت، وتعلمت ما وجب، وغفرت ما مضى.

وهذا رمضان فرصة عظيمة لنكتشف ذواتنا من جديد، لا لنغيّر نمطنا الغذائي فقط، بل لنراجع نمطنا الإنساني والاجتماعي والسلوكي.

أن نصل أرحامنا، أن نطرق باب جار، أن نرضي والدينا، أن نخفف حدّة أحكامنا، وأن نزيد منسوب الرحمة في تعاملاتنا.

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناع عن القسوة، عن القطيعة، عن الأنانية، هو فرصة لنتصالح مع أنفسنا، ونُهذّب طباعنا، ونبدأ نسخة أرقى منا.

كل عام وأنتم بخير، وقلوبكم عامرة بالرضا، وأرواحكم مطمئنة، وخطواتكم أقرب إلى السلام.