جاهز 2

في أوائل السبعينات، في سنوات البدايات الأولى، كنت ما زلت صغيرًا؛ أنا من مواليد 1964. ومع ذلك، أتذكر تلك المرحلة بوضوح. ربما لأن بعض المراحل، حين تُعاش في ظل القلق، تُنقش في الذاكرة أكثر مما تُنقش السنوات العادية. كانت السبعينات، ثم الثمانينات لاحقًا، سنوات مليئة بالترقّب، وكان محمد مراد في فترات طويلة مختفيًا، حاضرًا في الوجدان أكثر مما هو حاضر في المكان. أحيانًا كان يأتي إلى مدني سرًا، وتتم لقاءاتنا معه بحذر شديد، وكأننا نتعلم منذ وقت مبكر معنى أن يكون الإنسان قريبًا وبعيدًا في آنٍ واحد.

لم نكن نعرف ما يُسمّى ببيوت الاختفاء بمعناها الواسع، ولم تكن المصطلحات السياسية حاضرة في حديثنا اليومي، لكن التجربة كانت حاضرة بكل ثقلها. أتذكر جيدًا أننا كنا نلتقيه في مدني في بيت الزميل بابكر سعيد، وهو الآن مقيم في كندا. هذه صورة لا تغادر الذاكرة: محمد مختفٍ، يأتي إلى مدني، ونلتقيه هناك. لم يكن اللقاء حدثًا احتفاليًا، بل لحظة عادية مشحونة بمعنى غير عادي. التقيناه أكثر من مرة، ربما يومين أو ثلاثة في كل مرة، وكأن الزمن كان يمنحنا جرعات قصيرة من الطمأنينة ثم يسحبها بهدوء.

وأظن أن أول مرة التقيته فيها وأنا في سن بدأت فيها أعي وأفهم ما يجري حولي، كانت بعد قدومه من الخرطوم وهو في حالة اختفاء. في تلك اللحظة، لم أكن أفهم السياسة بقدر ما كنت أفهم الإحساس: أن هناك شيئًا غير طبيعي، وأن هذا “الغير طبيعي” صار جزءًا من حياتنا.

بعد ذلك جاءت فترة اعتقاله الطويلة، تلك الفترة التي لم يخرج منها إلا مع الانتفاضة. وقبل أن أذهب للقائه وهو مختفٍ، لم تكن الأسئلة التي تدور في رأسي أسئلة خوف أو دهشة، بقدر ما كانت أسئلة نابعة من واقع الأسرة نفسها. كنا أسرة واعية سياسيًا، أو على الأقل أسرة لا تعيش في عزلة عن ما يجري حولها. نعرف ما جرى في 1971، ونعرف معنى الاعتقال والاختفاء. كنا صغارًا في العمر، نعم، لكن هذه المفاهيم لم تكن غريبة عنا. محمد قيادي في الحزب، عضو لجنة مركزية، وملاحق بسبب مواقفه. هذه لم تكن أخبارًا نتلقاها، بل حقائق نعيش معها يومًا بيوم.

عندما جلست معه، بدأ الحديث بشكل طبيعي جدًا، وكأننا نحاول أن نعيد الحياة إلى مسارها المعتاد ولو مؤقتًا. لم يكن استجوابًا، ولم يكن هناك توتر متعمد. كان يناديني دائمًا بلقبي المحبب له: “أبو عريب”، وكأن الاسم نفسه محاولة لكسر ثقل اللحظة. أول أسئلته كانت عن المدرسة: كيف الدراسة؟ كيف مستواي؟ كيف أموري؟ كان يستمع أكثر مما يتكلم، لا يقاطع، ولا يضغط، يتركك تفرغ ما عندك، ثم يعلّق بهدوء يجعل الكلام يبدو أخف مما هو عليه.

توجيهاته كانت كثيرة، لكنها لم تكن خطبًا ولا أوامر. كانت بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها. كان يؤكد على الدراسة بوصفها الأولوية الأولى، وكأنه كان يرى فيها خط الدفاع الأول عن المستقبل. ثم يأتي بعدها الحديث عن الأهل والجيران. كان يسأل عن أهلنا، خاصة أهلنا الجعليين، واحدًا واحدًا، ويوصينا بالتماسك والترابط معهم، وكأن السياسة عنده تبدأ من صلة الرحم قبل أي شيء آخر. كان يسأل عن الوالد والوالدة، وعن أناس لم أكن أعرفهم أنا شخصيًا، لكنه كان يعرفهم ويحتفظ بأسمائهم في ذاكرته، كأنهم جزء من حياته اليومية.

الجانب الإنساني عنده كان طاغيًا إلى حد يصعب فصله عن مواقفه العامة. اهتمامه بالتواصل مع الأهل والجيران والمعارف لم يكن ترفًا ولا عادة اجتماعية، بل كان قناعة. كان يرى أن الإنسان، حين تُسحب منه هذه الروابط، يصبح أكثر هشاشة في مواجهة القسوة.

زياراتنا له كانت تتم في سرية تامة. لم نكن نحمل معنا رسائل أو صورًا أو أشياء من البيت. كنا نذهب فقط لنراه، وكأن مجرد اللقاء به كافٍ. غالبًا كنت أنا ووالدي ووالدتي. إخوتنا الكبار كانوا أحيانًا يذهبون إلى الخرطوم ويقابلونه هناك في بيوت مختلفة دون إخطار مسبق. أذكر أنهم حدثونا مرة أنهم التقوه في بيت الأستاذ القدّال أو في مكان قريب من ذلك، وكانت هذه التفاصيل تصلنا كما تصل الأخبار المهمة: بهدوء، ومن دون أسئلة كثيرة.

حتى الرياضة كانت حاضرة في حديثه، وكأنها جزء من توازن الإنسان. إخوتي الكبار كانوا لاعبي كرة، وموسى – رحمه الله – كان لاعب تنس، ولذلك كان يسأل عن الرياضة، عن النشاط، عن الانضباط. لم يكن يشجع عليها بوصفها ترفًا أو وقتًا ضائعًا، بل بوصفها تربية وسلوكًا وبناءً للنفس.

لم يعدني يومًا بشيء مادي، ولم يستخدم أسلوب المكافأة. التحفيز عنده كان معنويًا خالصًا، وربما لهذا كان أعمق أثرًا. كان حاضرًا في حديثه المباشر، وفي وصاياه التي تصلنا عبر آخرين. كان تركيزه الثابت هو الدراسة والمعرفة، وتنمية المواهب، أيًا كان مجالها. هذا الاهتمام لم يكن عابرًا، بل تكرر حتى صار جزءًا من تكويننا الداخلي.

وكان اهتمام محمد مراد منصبًا دائمًا، وبدرجة لافتة، على صحة الوالد والوالدة. كان يسأل عن الوالد باستمرار، ويسأل عبره عن الناس في المنطقة الصناعية الذين يعرفهم واحدًا واحدًا. كان يعرف ناس ودّ الزبير وأصحابه، أصحاب ورش النجارة الكبيرة في مدني، والوالد كان يعمل معهم منذ وقت مبكر جدًا في تجهيز غرف النوم والأثاث والبيوت. لذلك كان يسأل عنهم فردًا فردًا: من الموجود؟ من الغائب؟ ومن سافر؟ وكان يتابع هذه التفاصيل كأنها واجب لا يمكن إهماله.

وبالدرجة نفسها، كان يسأل عن أهلنا في الشمالية والبلد، فردًا فردًا، ويغضب إذا شعر بقطيعة أو تقصير في السؤال. حتى والدتي، كان يسألها عن أخواتها وبناتهن، وعن الجيران في الحي، في المزاد: ناس كِشّان، ناس جاكسيد أحمد، وغيرهم من الأسماء التي تشكّل نسيج المكان. كان تركيزه الدائم على أحوال الناس وصحتهم، وكان يرى في السؤال عنهم فعل وفاء، لا مجرد عادة اجتماعية.

بعد تلك المرحلة، مضت سنوات طويلة، ثم جاءت فترة الاعتقال الطويلة. اللقاء الذي تم في بيت بابكر سعيد كان قبلها. وأظن أن هناك لقاءً سبق ذلك في بيت إبراهيم عبدالحفيظ دانقوريا، زميل موسى – رحمه الله – في لعبة التنس. أرجّح أنه كان لقاءً قصيرًا، لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة بوصفه واحدًا من تلك اللقاءات التي تمر سريعًا، لكنها تترك أثرًا صامتًا. أما لقاء بيت بابكر سعيد، فأذكره بوضوح لأنني كنت حاضرًا فيه، ولأن بعض اللحظات، حين تُعاش بوعي مبكر، تظل أكثر ثباتًا من غيرها.

لحظة اللقاء مع محمد كانت لحظة عجيبة بحق. كان السلام حارًا، دافئًا، لكنه بلا دموع ولا مظاهر حزن. لم يكن سلام وداع، ولا سلام خوف، بل سلام أسرة تفهم ما يجري من حولها، وتحاول أن تحافظ على توازنها الداخلي. الأسرة كانت متفهمة تمامًا لطبيعة ما يحدث. لم يحاول أحد ثنيه عن طريقه، ولم تُطرح أسئلة من نوع: لماذا؟ أو إلى أين؟ بل كان هناك تشجيع هادئ، صامت، كأن الجميع أدرك أن بعض الطرق لا تُناقَش، بل تُحترم.

الوالد كان حاضرًا، بثباته المعهود، والوالدة كانت توصيه دائمًا بأن يحافظ على نفسه، وتدعو له بالستر والسلامة. كانوا يعرفون جيدًا طبيعة الظرف، ويعرفون النظام القائم في ذلك الوقت، ويعرفون أن القلق لا يغيّر شيئًا. كانوا يسألونه عن زملائه أيضًا، عن أحوالهم وأماكنهم، وكأن السؤال عن الآخرين كان وسيلة للاطمئنان الجماعي، لا مجرد فضول.

أذكر أنهم كانوا يسألون عن سليمان حامد، وعن آخرين كانوا مختفين. سليمان كان في فترة متفرغًا في الجزيرة، وأقام معنا في البيت فترة، وأنا أذكر ذلك جيدًا، لا بوصفه حدثًا سياسيًا، بل كجزء من حياة يومية كان فيها البيت مفتوحًا، والحضور الإنساني أقوى من أي تصنيف. وكانوا يسألون كذلك عن محمد الأمين سر الختم في المناقل، وعن غيره من الزملاء. هذه الأسماء لم تكن عناوين عابرة، بل كانت جزءًا من الدائرة القريبة لمحمد، ومن تفاصيل حياته التي لم تنفصل يومًا عن الناس.

والدي، بطبيعته، كان مشجعًا للنشاط السياسي. لم يكن يرى فيه تهورًا أو مغامرة، بل نشاطًا محترمًا ومفهومًا في سياقه. كان متفهمًا للوضع العام، ويتحدث كثيرًا عن الحالة الاقتصادية، وعن ما يجري في السوق، وكان يرى أن ما يحدث ليس مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لسياسات قائمة. كان يعرف أن أبناءه وبناته لهم صلة بالعمل العام، وكان يتعامل مع ذلك بوعي وهدوء، دون خوف أو تهويل.

أما أخوات محمد، فكان يحثّهن دائمًا على القرب من الناس: من الأهل، والجيران، والنساء البسيطات. كان يرى أن الحضور وسط المجتمع هو الأساس. لم يكن يوجّههن توجيهًا تنظيميًا مباشرًا، ولم يتحدث عن تجنيد أو استقطاب، على الأقل لم أسمع ذلك منه. لكن النشاط كان موجودًا، واضحًا، خاصة في حي المزاد والحلة الجديدة، حيث كان هناك نشاط مرتبط بالاتحاد النسائي، وكانت بعض الاجتماعات تتم في بيتنا أو في بيوت قريبة. هذا النشاط لم يكن سرّيًا أو معزولًا، بل مفهومًا في سياقه الاجتماعي آنذاك.

بعد فترة قصيرة من لقاء بيت بابكر سعيد، شاهدت خبر اعتقالهم في التلفزيون. لا أنسى تلك اللحظة أبدًا. ظهر البيان يقول:
تمكّن جهاز الأمن من اعتقال القيادات الشيوعية المختفية: دكتور محمد مراد، أحمد خليل، يوسف حسين…
ثم دعوا المواطنين للتعاون والإبلاغ عن المنازل التي كانوا يرتادونها. كان الصوت باردًا، رسميًا، لكن وقعه علينا كان ثقيلًا. هذا المشهد ما زال راسخًا في ذاكرتي حتى اليوم، لا يبهت، ولا يبتعد.

كنّا وقتها في الحِكَر، والوالد والوالدة في حوش الإدينة. كنّا نشاهد التلفزيون عندما ورد الخبر. كان صادمًا بالنسبة لي في تلك اللحظة. لم أستوعبه فورًا، وكأن العقل احتاج وقتًا ليلحق بالصورة. سرعان ما أبلغنا الوالد والوالدة، وبعد ذلك بدأت الأمور تأخذ طابعًا روتينيًا غريبًا: لم تكن هناك تلفونات، ولا وسائل تواصل سريعة، لكن الناس بدأت تتوافد إلى البيت، وكأن الخبر انتقل أسرع من أي وسيلة.

الجيران والأهل حضروا بسرعة، من الدرجة ومن الأحياء القريبة، جاءوا بأبنائهم. كان هناك بكاء، وتأثر، وصمت ثقيل أحيانًا. في تلك الفترة كان هناك وجود أمني حول البيت، ومراقبة مستمرة. لم يتم التحقيق معي أو مع أي فرد من الأسرة، لكن الإحساس بالمراقبة كان حاضرًا، خاصة ونحن صغار. كان ذلك جزءًا من واقع الزمن، لا يحتاج إلى شرح.

الوالد، رغم كل شيء، كان رأسه مرفوعًا. لم يشعر بالخوف، ولم يسمح له بأن يظهر. كان يردد دائمًا أنه لم يرتكب خطأ، ولم يسرق، ولم يفعل ما يخجل منه. كان فخورًا بابنه، ويتعامل مع الأمر بثبات لافت. وبعد الاعتقال، لم يتخلّ الناس عنا، ولم يبتعد الجيران أو الأصدقاء. بالعكس، وقفوا معنا بوضوح، وكأنهم يردّون على الخوف بالفعل لا بالكلام.

عندما فُتحت الزيارات في سجن كوبر، كانوا يذهبون معنا علنًا، بلا تردد. كنّا نرتّب مواعيد الزيارة بشكل طبيعي، ونخرج من البيت بلا مواربة. مجد الله – رحمه الله – كان يرافقنا بعربته اللاندروفر، ويركب معنا الجيران والأقارب. كنا نصل إلى ساحة سجن كوبر، ونقابل محمد ونزوره. لم نشعر يومًا بأننا وحدنا، وكان لهذا الإحساس أثره العميق.

حتى عندما انتقلت عمّتنا – رحمها الله – إلى بورتسودان، وقف أهلها معها وقفة كاملة. كنا نسافر من مدني إلى بورتسودان من أجل الزيارات، ولم ينقطع التواصل. هذا الموقف الجماعي خفف عنا كثيرًا، وأعطانا إحساسًا عميقًا بأن العزلة ليست قدرًا، وأن الناس حين تختار أن تكون حاضرة، تصنع فرقًا حقيقيًا.

في تلك السن، كنت في حدود الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. أقولها بصدق: شعرت بشيء من الاعتزاز، لا بالخوف ولا بالحزن. عندما كانوا يعرضونه في التلفزيون بوصفه معارضًا لنظام نميري ويعلنون اعتقاله، كان الإحساس داخلي مختلفًا، إحساسًا غير عادي، أقرب للفخر الصامت. تلك الليلة لم أنم سريعًا. وكذلك الوالد والوالدة وإخوتي، بقينا مستيقظين لفترة طويلة، في حالة صمت مليئة بالأفكار.

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة، وكانت مفتوحة. الخبر كان منتشرًا. بعض الناس ردده بسخرية، وآخرون تعاملوا معه بتعاطف. الأسرة كانت معروفة في الحي، وإخوتي الكبار كانوا لاعبي كرة في فرق معروفة، لذلك كان الناس يعرفوننا جيدًا. بعض المعلمين تأكدوا من الخبر بهدوء، دون تعليق جارح. لم يطرحوا أسئلة مباشرة، لكنهم كانوا على علم بما يجري، وتعاملوا معنا بحكمة.

تلك الأيام بقيت محفورة في الذاكرة؛ ليس فقط بسبب الخبر نفسه، بل بسبب موقف الناس، وثبات الأسرة، والإحساس الداخلي الذي تشكّل مبكرًا بأن ما جرى لم يكن مدعاة للخجل، بل امتحانًا للصبر والكرامة.

الناس، والله، وقفوا معنا وقفة لا تُنسى. لم ينقطع أحد عن البيت، ولم يتراجع جار أو صديق خوفًا أو ترددًا. الجيران، أصدقاء الأسرة، الرجال والنساء، ظلوا يأتون باستمرار. وعندما فُتحت الزيارات في سجن كوبر، كانوا يذهبون معنا علنًا، بلا مواربة ولا حسابات. كنا نقول بوضوح: نحن ذاهبون لزيارة محمد في السجن، وكان في هذا الإعلان نوع من التماسك لا يُشترى.

كنا نرتّب مواعيد الزيارة بهدوء، ثم نتحرك. نصل إلى ساحة سجن كوبر، يخرجونه لنا، نقابله ونزوره، ثم نعود. حتى في نطاق الأسرة الكبيرة، من عمّات وبنات عمّات وأقارب، لم يكن هناك انقطاع. الجميع كان حاضرًا، والجميع كان يعرف أن الوقوف معًا هو الشكل الأبسط، والأصدق، للمقاومة الإنسانية.

عندما أذيع خبر اعتقاله في التلفزيون، كنت في حدود الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من العمر. كنت قد تجاوزت المرحلة الابتدائية ودخلت المرحلة المتوسطة، في عمر يبدأ فيه الوعي بالتشكل، لكن القلب ما يزال طريًا وسريع التأثر. سُئلت كثيرًا عن شعوري في تلك اللحظة: هل كان حزنًا؟ هل كان خوفًا؟ أقولها بصدق كامل: لم يكن كذلك. الشعور الأقرب لي كان نوعًا من الاعتزاز الداخلي الصامت. رؤية أخي معارضًا لنظام نميري، يُذكر اسمه في التلفزيون، ويُعتقل بسبب موقفه، أحدث داخلي إحساسًا غير عادي، إحساسًا لا يشبه الخوف ولا الحزن، بل شيئًا أقرب إلى الفخر الممزوج بالدهشة.

في تلك الليلة لم أنم سريعًا. بقيت مستيقظًا فترة طويلة، أراقب تفاصيل البيت بصمت. لاحظت أن الوالد والوالدة أيضًا كانا مستيقظين، يدخلان ويخرجان، في حالة يقظة وقلق هادئ، بلا صراخ ولا انهيار. كان القلق حاضرًا، نعم، لكنه كان قلقًا متماسكًا، كأن الجميع يعرف أن الصراخ لا يغيّر شيئًا، وأن الصمت أحيانًا يكون شكلًا من أشكال القوة.

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة، وكانت الدراسة قائمة. الحياة، في ظاهرها، كانت تمضي كالمعتاد، لكن الخبر كان منتشرًا في كل مكان. ردود الفعل كانت مختلفة؛ بعض الطلاب كانوا يرددون عبارات مستفزة، وهذا كان متوقعًا، لكن في المقابل كان هناك من يقف معنا بوضوح. الأسرة كانت معروفة في الحي، حي كبير، وإخوتي الكبار كانوا لاعبي كرة في فرق معروفة، لذلك لم نكن مجهولين، ولم نكن غرباء عن الناس.

المعلمون كانوا يعرفوننا. كثير منهم من نفس الأحياء أو قريبين منها، يعرفون العائلات ويعرفون الخلفيات. لم يفتحوا الموضوع بأسلوب جارح، ولم يحوّلوه إلى تحقيق. بعضهم كان يسأل بهدوء للتأكد فقط: هل الخبر صحيح؟ هل كان فعلًا داخل السودان، أم كما كان يُشاع أنه خارج البلاد؟ لأن كثيرين كانوا يظنون أنه خارج السودان ثم أُلقي القبض عليه بعد عودته. كان هناك تعاطف واضح، خاصة من المعلمين ذوي الميول الديمقراطية، وأذكر منهم الأستاذ فريد الحميدي، والأستاذ عبد المحمود أبو…

هذا التعاطف، إلى جانب موقف الجيران والأسرة، جعل تلك المرحلة، رغم قسوتها، مرحلة صمود أكثر منها مرحلة انكسار. لم نشعر بأننا معزولون، ولم نشعر بأننا تُركنا وحدنا في مواجهة ما حدث.

وفي تلك الفترة، لم يكن الجميع يعرف أن محمد كان مختفيًا قبل الاعتقال. كثيرون كانوا يظنون أنه خارج السودان، ثم عاد فجأة وتم اعتقاله. ومع ذلك، ظل التعاطف حاضرًا، خاصة من بعض المعلمين والأساتذة ذوي الميول الديمقراطية. أذكر منهم الأستاذ فريد الحميدي، والأستاذ عبد المحمود أبو وكر. هؤلاء لم يتعاملوا معنا بعدائية أو شك، بل بوعي واحترام، ونحن وقتها طلاب في المرحلة المتوسطة، ما زلنا في طور التكوين.

ولم يكن هذا التعاطف معزولًا أو محدودًا. امتد أيضًا من بعض الأساتذة القادمين من بيئات تقدمية، ممن كانوا يؤمنون بحرية الرأي والاختلاف. كان هناك إحساس عام بالتضامن، حتى إن لم يكن معلنًا بصوت عالٍ. لم يكن الأمر عداءً اجتماعيًا، بل حالة تفهّم صامتة، تحيط بنا دون ضجيج.

أما عن النشاط الرياضي، فلا أذكر أن محمد كان له نشاط رياضي ظاهر في تلك الفترة التي عاشها داخل السودان. لا أظن أن ذلك كان حاضرًا في حياته آنذاك، على الأقل في تلك المرحلة.
وبالنسبة لبيت بابكر سعيد، نعم، بابكر سعيد كان شيوعيًا، وكان يعمل مهندسًا في مصنع النسيج، وبيته كان مؤمَّنًا بصورة جيدة. تمت اللقاءات هناك بكل سلاسة، دون أي توتر أو أمر غير طبيعي، وكأن الحياة كانت تحاول أن تحافظ على حدّها الأدنى من الطبيعية وسط كل ذلك.

محمد، بصفته أخي الأكبر، كان له أثر عميق عليّ. لم يكن الأمر مجرد حدث عابر أو ذكرى مرتبطة بالاعتقال، بل كان نقطة تحوّل حقيقية في حياتي. كان يمكنه أن يختار طريقًا آخر؛ أن يكون طالبًا عاديًا في جامعة الخرطوم، يعيش حياته مثل بقية الناس، لكنّه اختار طريق المبادئ، والقضية، والثبات على الموقف. هذا الاختيار لم يكن سهلًا، لكنه كان واضحًا وصادقًا، وجعلني أتوقف وأسأل نفسي، للمرة الأولى بجدية: هل هؤلاء على حق؟ وهل الطريق الذي يسيرون فيه يستحق هذا الثمن؟

من هنا بدأت أقرأ، وأبحث، وأفكر. لم أصل إلى قناعاتي فجأة، ولم أتبنَّ أفكارًا جاهزة. أخذ الأمر وقتًا، وأسئلة، وترددًا أحيانًا. لكن في النهاية، أدركت أن ما آمنوا به لم يكن عبثًا، وأن الأسئلة التي زرعوها في داخلي كانت ضرورية، حتى لو كانت مؤلمة في بعض الأحيان.

وهذا الوعي لم يأتِ من الخارج وحده، بل من البيت نفسه. البيت الذي تربينا فيه كان بيتًا يؤمن بقيم نراها جميلة، ونراها أخلاقية، ويرى كثير من الناس جمالها أيضًا. هذه البيئة هي التي شكّلت وعيي، وجعلتني أنظر إلى الطريق الذي اختاره محمد لا بوصفه مغامرة أو تهورًا، بل موقفًا أخلاقيًا، له ثمنه، لكنه يستحق أن يُدفع.

أما عن نقطة التحول الأساسية في البيت، فأعتقد أنها بدأت من محمد أولًا، بحكم أنه الأكبر والأكثر تعليمًا. كان حضوره مؤثرًا بطبيعته، لا لأنه يفرض رأيًا، بل لأنه كان نموذجًا يُحتذى. لكنه لم يكن وحده في هذا المسار. الوالد، رغم محدودية إمكانياته التعليمية، كان داعمًا بقوة لمسار التعليم، وربما كان هذا الدعم نابعًا من إحساس داخلي عميق بقيمة ما لم تتح له فرصته هو.

محمد، بعد دراسته في حنتوب ثم في ألمانيا، فتح الطريق عمليًا لبقية الأسرة للسير في درب التعليم. لم يكن الأمر تنظيرًا أو نصائح عامة، بل تجربة حية أمامنا. والوالد، من جانبه، كان حريصًا بشدة على أن يتعلم أبناؤه وبناته، وكان يرى في التعليم بابًا للكرامة والاستقلال، لا مجرد شهادة.

حتى أخواتنا، عندما تعلمن واشتغلن، واجهن رفضًا من بعض أهلنا. كانت هناك نظرة تقليدية سائدة ترى أن تعليم البنات وعملهن أمر غير مقبول، أو على الأقل غير مرغوب فيه. لكن الوالد كان حاسمًا جدًا، حتى مع أعمامي. لم يكن صداميًا، لكنه كان واضحًا. فرض قناعته بهدوء وقوة، وكان فخورًا بأن يعمل أولاده وبناته، حتى عندما كانت فرص العمل محدودة، وحتى عندما كانت في أماكن صعبة أو بعيدة عن الصورة المثالية.

الوالد، رغم أنه لم يكن متعلمًا بالمعنى الأكاديمي، بل درس في الخلوة فقط، وكان لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه كان صاحب فراسة ووعي طبيعي. كان يمتلك حسًا فطريًا بالصح والخطأ، وشخصية مستقلة تمامًا. لم يكن تابعًا لأحد، ولا يخضع لضغوط العائلة أو المجتمع. كان يفرض رأيه بثبات، ويعرف ما يريد، وإذا تعارض كلام الناس مع قناعته، لم يكن يتردد في المضي في طريقه.

هذه البيئة، بهذا التداخل بين وعي محمد ودعم الوالد وصلابته، هي التي شكّلتنا في النهاية. لم تكن تربية مباشرة أو خطبًا طويلة، بل نموذجًا يُعاش يوميًا. هذا النموذج ترك أثره العميق في وعينا، وفي الطريقة التي نظرنا بها إلى الحياة والاختيارات.

كان محمد في ترتيب الأبناء تقريبًا الثالث، والبنات أصغر. ولا شك عندي أن هذه البيئة أثّرت فيه وأسهمت في تفتّح وعيه مبكرًا. التأثير لم يكن نظريًا أو مباشرًا فقط، بل جاء من المعايشة اليومية. في بيتنا كان يوجد دائمًا أشخاص مثل سليمان حامد، ومحمد دلبين، وسيد روحاني وغيرهم، وهم من المتفرغين للعمل في الجزيرة. كانوا جزءًا من البيت، يقيمون معنا، يأكلون معنا، ويشاركوننا تفاصيل الحياة اليومية، لا كضيوف عابرين، بل كأهل.

هذا الاحتكاك اليومي لا بد أنه ترك أثره العميق. محمد تأثر بهم، لا عبر خطب أو أحاديث عن بطولات، بل عبر نموذج حيّ يراه أمامه كل يوم. لم يكن يحتاج أن يتحدث عنهم أو يمدحهم؛ وجودهم نفسه كان كافيًا. كانوا جزءًا من نسيج البيت، ومعهم إخوتنا وأخواتنا، فلا فصل بين الخاص والعام، ولا حاجة لتقديم أو تبرير.

بيتنا نفسه كان مفتوحًا لطلاب من الجزيرة يدرسون في المدارس، كانوا يقيمون معنا أيضًا. أذكر المرحوم محمد الهميت، المرتبط باتحاد المزارعين، وكان أخوه محمد الأمين الهميت يقيم معنا في البيت. كذلك كان هناك إبراهيم عبد الله، المهندس الذي ابتُعث إلى بلغاريا، وكان أخوه عمر معنا في البيت أيضًا. حتى والدهم كان يعمل في المنطقة الصناعية. كل هؤلاء كانوا جزءًا من المشهد اليومي، حضورهم طبيعي، وحياتهم متداخلة مع حياتنا.

محمد كان واعيًا تمامًا بقضية الجزيرة، وبأوضاع المتفرغين هناك، وكان يتعامل مع وجودهم في البيت بوصفه أمرًا طبيعيًا، بل مسؤولية أخلاقية. لم يكن في داخله أي تذمر أو ضيق من هذا الواقع، بل على العكس، كان يتعامل معه باعتباره امتدادًا لقناعاته. هؤلاء الناس أسهموا بلا شك في تشكيل وعيه. ويمكن القول، دون مبالغة، إن محمد كان شيوعيًا من داخل هذا البيت، من تفاصيل الحياة اليومية، لا من الكتب وحدها، متوافقًا مع الفكرة والبرنامج، ومدافعًا عنها بقوة، لا دفاعًا سطحيًا أو شعاريًا.

وفي الوقت نفسه، كان محبوبًا اجتماعيًا، معروفًا في السوق، وصاحب علاقات طيبة مع الناس. حتى خلافاته السياسية، إن وجدت، كانت خلافات هادئة. إذا ناقش شخصًا من حزب الأمة أو من الاتحاديين، كان النقاش لا يفسد الود. لكنه كان متقدمًا عليهم في الوعي، يناقشهم من الواقع، لا من الشعارات. كان يملك قدرة على رؤية ما لا ينتبه له الآخرون، وربط التفاصيل اليومية بالصورة العامة.

أنا نفسي كنت في المرحلة الابتدائية في تلك الفترة. أذكر أنهم كانوا أحيانًا يطلبون مني توصيل رسالة أو مرافقة شخص إلى بيت لا يعرف موقعه. أذكر إخوتي يقولون لي: “ودّي فلان بيت ناس كذا”. فأذهب وأوصلهم. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس طبيعة البيت، وطبيعة الحياة داخله، حيث المشاركة كانت أمرًا عاديًا.

أتذكر أيضًا مسألة الطباعة. سليمان – وكان له اسم حركي لا أذكره الآن – كان يكتب على الآلة الكاتبة في البيت. كنا نسمع صوتها باستمرار، ذلك الصوت الذي أصبح جزءًا من ذاكرة المكان. زوجته فايزة، وولده حامد، كانوا يزوروننا في مدني. أذكرهم وهم صغار، وأذكر أننا كنا نذهب إليهم في أم درمان لاحقًا. العلاقة كانت عائلية بالكامل، بلا أسماء حركية في التعامل اليومي، وبلا حواجز.

سليمان كان في الغالب بمفرده في البيت، لكن كان يأتيه آخرون ويغادرون. ثم سافر لاحقًا إلى الجزيرة. كل هذه التفاصيل، مجتمعة، تشكّل البيئة التي نشأ فيها محمد، والتي صنعت وعيه المبكر، وجعلت اختياره لاحقًا ليس طارئًا ولا مفاجئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ من البيت.

في تلك الفترة، لم يكن محمد يعقد اجتماعات في البيت إطلاقًا. هذا أمر أذكره جيدًا. اجتماعاته ونشاطه التنظيمي كانت دائمًا خارج البيت، وغالبًا في الجزيرة أو في أماكن أخرى. داخل البيت لم يكن هناك أي طابع تنظيمي. ما كان يحدث هو أنه كان يخرج بانتظام بعد المغرب، وأحيانًا أيضًا في النهار، لكنه في الغالب بعد المغرب، ثم يعود لاحقًا. بيتنا كان مفتوحًا بطبيعته، يستقبل الأصدقاء والمعارف، لكن ليس بوصفه مقرًا لاجتماعات.

أما عن الفترة الزمنية بين أول لقاءاتنا به وهو في وضع الاختفاء وبين اعتقاله، فأرجّح أنها لم تكن طويلة. أذكر أنها كانت شهورًا، أقل من سنة. ليست فترة ممتدة. كنا ما زلنا صغارًا، وربما كان إدراكنا للزمن مختلفًا، لكن الذاكرة تحتفظ بالإحساس العام: أن كل شيء جرى بسرعة.

بعد الاعتقال، كانت الزيارات للسجن منظمة. في الزيارة الأولى، كنا نحمل أشياء أساسية: أكل، خبز، ملابس بسيطة، سراويل، أشياء يحتاجها أي معتقل. لم يكن له شيء خاص في البيت، فكل ما يخصه كان في الخرطوم. الكتب، إن طلبها، كانت تُحضّر لاحقًا. موسى، بحكم وجوده معه في الغرفة، كان أحيانًا أكثر معرفة بما يحتاجه. بعد الزيارة الأولى، إذا طلب أشياء معينة، كنا نوفّرها في الزيارات التالية، بهدوء، وكأن هذا الترتيب صار جزءًا من حياة جديدة فرضها الواقع.

مكتبة البيت كانت موجودة وغنية. لم تكن مجرد رفوف كتب، بل فضاء مفتوح للمعرفة. معظم الكتب كانت محفوظة فيها، وبعضها يعود لموسى بصورة أكبر، لكن الحقيقة أن أي شخص في البيت كان له نصيب من هذه المكتبة. لم تكن ملكًا لشخص بعينه، بل جزءًا من روح البيت. القراءة كانت أمرًا طبيعيًا، والكتاب كان حاضرًا مثل أي شيء آخر في الحياة اليومية.

محمد نفسه لم يظهر عليه أي أثر نفسي سلبي بسبب الاعتقال. هذا أمر أذكره بوضوح. في الزيارة الأولى كان بنفس روحه المعتادة: ضحكته، ابتسامته، حديثه الطبيعي، حضوره الهادئ. لم أشعر أن الاعتقال كسره أو غيّر طبيعته الإنسانية. على العكس، بدا كأنه يحاول أن يخفف عنا نحن، أكثر مما يحمل همّه الشخصي.

بعد الانتفاضة، خرج من المعتقل، وجاء إلى مدني، وأقام معنا فترة ليست قصيرة. كانت تلك مرحلة مختلفة، فيها استعادة للحياة بعد سنوات من الغياب والانقطاع. في تلك الفترة، كانت قد ظهرت لي منحة دراسية، وكنت أتابع بعض المجلات الفكرية، مثل مجلة “قضايا السلم والاشتراكية”. وجوده معنا في تلك الأيام كان مهمًا بالنسبة لي على المستوى الشخصي. كانت من الفترات القليلة التي عاصرته فيها عن قرب، بعد سنوات طويلة لم يكن فيها الحضور ممكنًا.

تزوج بعد خروجه بفترة قصيرة. خرج من المعتقل في السادس من أبريل، وتزوج في التاسع من مايو. قبل الزواج، جاء إلى مدني، وكان معه عبد المنعم الجزولي، وكان الجزولي يقيم معنا أيضًا. فتحية، زوجة التجاني، كانت حاضرة كذلك. قضينا أيامًا جميلة في البيت، أيامًا بسيطة، دافئة، كل طابعها اجتماعي خالص، بلا أي تنظيم أو اجتماعات أو حديث ثقيل.

الجلسات كانت مختلطة، كلنا نجلس ونتونس معًا. لم يكن هناك فصل بين رجال ونساء، ولا أي طقوس خاصة. الوالدة – رحمها الله – كانت بطبيعتها حاضرة، بسيطة، غير متكلفة، تتعامل مع الجميع بعفوية ومحبة. في تلك الفترة، بعض إخوتي كانوا خارج مدني: موسى كان في الخرطوم ويأتي في نهاية الأسبوع، صلاح كان في ليبيا، عبد العزيز في جورجيا، وسهولي في بولندا. أنا كنت موجودًا مع الوالد والوالدة معظم الوقت، وكان البيت في تلك الأيام يحمل إحساسًا خاصًا بالاجتماع والطمأنينة.

بعد ذلك، عاد محمد إلى الخرطوم، ثم تم الزواج، وبعد الزواج جاء مرة أخرى إلى مدني لفترة قصيرة. وفي نفس المرحلة تقريبًا، تزوج أحد الزملاء، أستاذ في الفيزياء من الهلالية، وأقاموا معنا في مدني فترة قريبة. كانت كلها زيارات اجتماعية طبيعية، بلا أي تعقيد، تعكس بساطة العلاقات وقربها.

لكن حتى في تلك الفترة، كان واضحًا أنهم عادوا مباشرة إلى العمل الحزبي. لم يكن هناك ترف للراحة الطويلة. كانوا دائمًا في حركة: دعوات، عزومات، اجتماعات مسائية في بيوت مختلفة. برنامجهم كان ممتلئًا، ولذلك لم يكن وجودهم في البيت طويلًا. المساءات في الغالب كانت خارج البيت، والبيت ظل مساحة للراحة العابرة لا أكثر.

في ذلك الوقت، لم أكن قد سافرت بعد، ولم تكن المنحة قد اكتملت إجراءاتها. لم يكن لي أي دور في هذه التحركات. أحيانًا أعود من تمرين كرة القدم فأجدهم قد خرجوا، وأحيانًا أسمع: الليلة عندهم دعوة هنا، وبكرة اجتماع هناك. كانت حركة مستمرة، لكنها لم تكن جزءًا من حياتي اليومية المباشرة.

هذه هي الصورة التي أذكرها بوضوح: بيت مفتوح اجتماعيًا، دافئ، مرحّب، لكنه لم يكن يومًا مقرًا للعمل التنظيمي. ومحمد، حتى في أصعب الظروف، ظل محافظًا على روحه الإنسانية، وعلى هدوئه الداخلي، وعلى توازنه.

في تلك الفترة، كنت أنا نفسي في كورس لغة، في منطقة تبعد قرابة ساعة من براغ. لم أكن موجودًا معهم بشكل دائم، لكنني كنت أعود في عطلات نهاية الأسبوع. بعد انتهاء كورس اللغة، واصلت الدراسة في براغ نفسها. كان لي سكن في الداخلية، وفي الوقت ذاته كان لي سكن في البيت، وكنت أقضي وقتًا أطول معهم، خاصة في الفترات الأولى، حين كانوا يحتاجون إلى وجودنا ودعمنا المعنوي.

أحيانًا كنا، أنا وبعض الأصدقاء، نبيت في البيت ونذهب إلى الجامعة من هناك، وأحيانًا نعود إلى الداخلية. كنا نترك لهم رقم الهاتف، ونبلغهم ببرنامجنا: الليلة لن نأتي، أو سنعود يوم الخميس. كان كل شيء يجري بسلاسة، بلا قلق أو تعقيد.

لم تكن هناك اجتماعات متعلقة بـ“قضايا السلم والاشتراكية” داخل البيت، ولا نشاط من هذا النوع. الاجتماعات، إن وُجدت، كانت اجتماعات فرع أو لقاءات عامة خارج المنزل. أما نشاطه المرتبط بالسلم والاشتراكية، أو سفره إلى مؤتمرات وملتقيات خارجية، فلم يكن يحتاج فيه إلى مساعدتي.

من ناحية اللغة، لم تكن لديه أي مشكلة. كان يجيد الإنجليزية والألمانية، إضافة إلى التشيكية. أحيانًا فقط كان يطلب مني ترجمة عناوين رئيسية من الصحف التشيكية، لا أكثر. أذكر جريدة Rudé Právo، الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي التشيكي، واسمها يعني “الحقيقة الحمراء”. كنت أترجم له العناوين الرئيسية: عن ماذا تتحدث الصحيفة اليوم؟ ما الموضوع الأبرز؟ ما اتجاه النقاش؟ وكان يستخدم هذه المعلومات لبناء قراءته العامة، لا ليجمع مادة جاهزة.

اهتمامه الأساسي لم يكن منصبًا على العمل السياسي بقدر ما كان منصبًا على شؤون الطلاب. كان مهتمًا جدًا بأوضاع الطلبة الأكاديمية: من لديه امتحانات متأخرة؟ من لديه مواد ملاحق؟ ما أسباب التعثر؟ وما نوع المساعدة الممكن تقديمها؟ كان يتابع أوضاع الخريجين أيضًا، خاصة مسألة العودة إلى الوطن، حتى لا يبقى أحد معلقًا بلا أفق بعد التخرج.

كان يرى أن المهمة الأساسية للطالب هي الدراسة أولًا. لذلك كان يضغط دائمًا في هذا الاتجاه. حتى في الاجتماعات، إذا كان أحد الزملاء يعاني من امتحان أو مادة ملحقة، كان يقول له بوضوح: ركّز على دراستك الآن، وتعال بعد أن تتجاوز هذه المرحلة. في الصيف، كان يشجع من لديه مواد متراكمة على التفرغ الكامل للدراسة، ويحث الزملاء على مساعدته أكاديميًا، سواء في نفس الكلية أو في كليات أخرى.

الجانب الأكاديمي كان عنده أولوية حقيقية، لا شعارًا. كان يؤمن بأن العودة إلى الوطن يجب أن تكون بكفاءات علمية عالية، لا بشهادات ناقصة أو متعثرة. هذا المبدأ كان يترجمه إلى مواقف عملية، ونصائح يومية، وضغط إيجابي مستمر على الطلبة.

في الاجتماعات الحزبية، كان لكل مقام مقال. هناك يتحدث عن الحزب والعمل والتنظيم. لكن في الإطار الاجتماعي والأبوي، كان حضوره مختلفًا: أقرب إلى الأب أو الأخ الكبير. كان يوازن بين الانضباط التنظيمي والحرص الإنساني، لكن يظل تركيزه الأساسي دائمًا على أن ينجح الطالب دراسيًا أولًا، لأن ذلك في نظره هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء لاحقًا.

هذه الصورة، في تقديري، تختصر طريقته في العمل والحياة: وعي سياسي حاضر، نعم، لكنه قائم على قاعدة أكاديمية صلبة، ومسؤولية أخلاقية حقيقية تجاه الناس الذين حوله.

هكذا، لم تكن تجربة محمد مجرد سيرة نضال أو اعتقال، بل كانت مسارًا متكاملًا تشكّل داخل البيت، وامتد إلى الحياة العامة. ما ميّزه حقًا أنه لم يفصل يومًا بين الفكرة والإنسان، ولا بين السياسة والأخلاق، ولا بين الوعي والمعرفة. ظل ثابتًا على مواقفه، وفي الوقت نفسه قريبًا من الناس، حريصًا على التعليم، وعلى أن يكون النجاح العلمي أساس أي دور عام. بهذه الروح عاش، وبهذا الاتزان واجه السجن، وبهذا الهدوء خرج ليكمل طريقه، تاركًا أثرًا عميقًا في من حوله، وفي وعي من نشأوا إلى جانبه.

عن admin

صحفي وكاتب ومستشار اعلامي

شاهد أيضاً